الشيخ محمد هادي معرفة

382

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

عصره ينكرون صدور هذا القول عنهم ، ولأنّه يخالف عقائدهم ومقتضى دينهم . وممّا قالوه في حلّ الإشكال : إنّهم قالوا ذلك على سبيل الإلزام ، فإنّهم لمّا سمعوا قوله تعالى : « مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ » « 1 » قالوا : من احتاج إلى القرض كان فقيرا عاجزا مغلول اليدين . بل قالوا ما هو أبعد من هذا في تعليل قولهم والخرص في بيان مرادهم منه ، وما هو إلّا غفلة عن جرأة أمثالهم في كلّ عصرٍ على مثل هذا القول البعيد عن الأدب بُعدَ صاحبه عن حقيقة الإيمان ، ممّن ليس لهم من الدين إلّا العصبية الجنسية والتقاليد القشرية ، فلا إشكال في صدوره عن بعض المجازفين من اليهود في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وقد كان أكثرهم فاسقين فاسدين . وطالما سمعنا ممّن يُعدّون من المسلمين في عصرنا مثله في الشكوى من اللّه عزّوجلّ والاعتراض عليه عند الضيق وفى إبّان المصائب . وعبارة الآية لاتدلّ على أنّ هذا القول يقوله جميع اليهود في كلّ عصر حتّى يجعل إنكار بعضهم له في بعض العصور وجها للإشكال في الآية ، وإنّما عزاه إلى جنسهم - في حين أنّه قول بعضهم وهو « فنحاص » رأس يهود بنيقينقاع وفي رواية : النباش بن قيس أحد رجالهم . وفي أخرى : أنّه حُيَي بن أخطب - لأنّه أثر مافشا فيهم من الجرأة على اللّه وترك إنكار المنكر ، والمقرّ للمنكر شريك الفاعل له . على أنّ الناس في كلّ زمان يعزون إلى الامّة مايسمعونه من بعض أفرادها - ولاسيّما إذا كان من أكابر القوم - إذا كان مثله لا ينكر فيهم . والقرآن يُسند إلى المتأخّرين ما قاله وفعله سلفهم منذ قرون ، بناءا على قاعدة تكافل الامّة وكونها كالشخص الواحد . ومثل هذا الأسلوب مألوفٌ في كلام الناس أيضا . « 2 » مقصوده من بعض أهل الجدل هو الإمام الرازي في تفسيره الكبير . « 3 » لكن ليس يهود عصره هم الذين أنكروا صدور مثل هذا القول عن سلفهم ، بل حتّى في زماننا هذا

--> ( 1 ) - البقرة 245 : 2 ، الحديد 11 : 57 . ( 2 ) - تفسير المنار ، ج 6 ، ص 453 . ( 3 ) - راجع : ج 12 ، ص 40 .